السيد علي عاشور
67
موسوعة أهل البيت ( ع )
لما عرفنا ، وقبّلنا الأرض بين يديه ، ثمّ سألناه عمّا أردنا وأجاب ، فحملنا إليه الأموال ، وأمرنا القائم أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئا فإنّه ينصب لنا ببغداد رجلا نحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات . قال : فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي جعفر محمد بن جعفر القمي الحميري شيئا من الحنوط والكفن وقال له : أعظم اللّه أجرك في نفسك . قال : فما بلغ أبو العبّاس عقبة همدان حتّى توفي رحمه اللّه ، وكنّا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد ، إلى الأبواب المنصوبين ويخرج من عنده التوقيعات « 1 » . قال الصدوق : هذا الخبر يدلّ على أنّ الخليفة كان يعرف هذا الأمر ، كيف هو وأين موضعه فلهذا كفّ عن القوم وعمّا معهم من الأموال ، ودفع جعفر الكذّاب عنهم ولم يأمرهم بتسليمها إليه ، إلّا أنّه كان يحبّ أن يخفى هذا الأمر ولا يظهر لئلّا يهتدي إليه الناس فيعرفونه ، وقد كان جعفر حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لمّا توفي الحسن بن علي عليه السّلام فقال له : يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي ومنزلته ؟ فقال الخليفة : إعلم أنّ منزلة أخيك لم تكن بنا إنّما كانت باللّه عزّ وجلّ ، نحن كنّا نجتهد في حطّ منزلته والوضع منه ، وكان اللّه عزّ وجلّ يأبى إلّا أن يزيده كل يوم رفعة لما كان فيه من الصيانة وحسن السمت والعلم والعبادة ، فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا ، وإن لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما في أخيك لم نغن عنك في ذلك شيئا « 2 » . الثاني : ممّن رآه في غيبته الصغرى : في تبصرة الولي عن أبي علي محمد بن أحمد المحمودي قال : حججت نيفا وعشرين سنة ، كنت جميعها أتعلّق بأستار الكعبة وأقف على الحطيم والحجر الأسود ومقام إبراهيم ، وأديم الدعاء في هذه المواضع ، وأقف بالموقف وأجعل جلّ دعائي أن يريني مولاي صاحب الزمان ، فإنني في بعض السنين قد وقفت بمكّة على أن أبتاع حاجة ومعي غلام في يده مشربة [ حليج ملمعة ] « 3 » فدفعت إلى الغلام الثمن وأخذت المشربة من يده ، وتشاغل الغلام بمماكسة البيع وأنا واقف أترقّب ؛ إذ جذب ردائي جاذب ، فحوّلت وجهي إليه فرأيت رجلا ذعرت حين نظرت إليه هيبة له فقال لي : تبيع المشربة ، فلم أستطع ردّ الجواب وغاب عن عيني ، فلم يلحقه بصري وظننته مولاي ، فإنّني في يوم من الأيّام كنت أصلّي بباب الصفا ، فسجدت وجعلت مرفقي في صدري فحرّكني تحرّكا برجله فرفعت رأسي فقال : إفتح منكبك عن صدرك ، ففتحت عيني فإذا الرجل الذي سألني عن المشربة ولحقني من هيبته ما حار بصري ، فغاب عن عيني وأقمت على رجائي ويقيني ومضيت مدّة وأنا أرجّح وأديم الدعاء في الموقف ، فإنّني في آخر سنة جالس في الكعبة ومعي
--> ( 1 ) كمال الدين : 479 ح 26 باب 43 ، والبحار : 52 / 48 ح 34 . ( 2 ) كمال الدين : 479 ذيل ح 26 باب 43 . ( 3 ) زيادة من دلائل الإمامة وفيه : المشربة إناء يشرب فيه ، والحليج اللبن الذي ينقع فيه التمر ثمّ يماث .